أحمد زكي صفوت
76
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
الفتن ، وقسمت دواعي البدع . وأذلّت رقاب الجبّارين ، ولم ينفكّوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا ، وأقاموا في ظلّ دعوتنا ، واعتصموا بحبل طاعتنا ، التي أعزّ اللّه بها ذلّتهم ، ورفع بها ضعتهم ، وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرض ، وملوكا على رقاب العالمين بعد لباس الذل ، وقناع الخوف ، وإطباق البلاء ، ومحالفة الأسى ، وجهد البأس والضرّ . فظاهر عليهم لباس كرامتك ، وأنزلهم في حدائق نعمتك ، ثم اعرف لهم حق طاعتهم ، ووسيلة دالّتهم ، وماتّة سابقتهم ، وحرمة مناصحتهم ، بالإحسان إليهم ، والتوسعة عليهم ، والإثابة لمحسنهم ، والإقالة لمسيئهم . أي بنى ، ثم عليك العامة . فاستدع رضاها بالعدل عليها ، واستجلب مودتها بالإنصاف لها ، وتحسّن بذلك لربك ، وتوثّق به في عين رعيتك ، واجعل عمّال العذر وولاة الحجج مقدّمة بين يدي عملك ، ونصفة منك لرعيتك ، وذلك أن تأمر قاضى كل بلد ، وخيار أهل كل مصر ، أن يختاروا لأنفسهم رجلا توليه أمرهم ، وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم ، فإن أحسن حمدت ، وإن أساء عذرت . هؤلاء عمّال العذر ، وولاة الحجج ، فلا يسقطنّ عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق ، وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرجفين ، وكبت قلوب الحاسدين ، وإطفاء نيران الحروب ، وسلامة عواقب الأمور ، ولا ينفكنّ في ظل كرامتك نازلا ، وبعرا حبلك متعلّقا ، رجلان : أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب ، وأعلام بيوتات الشرف ، له أدب فاضل ، وحلم راجح ، ودين صحيح ، والآخر له دين غير مغموز ، وموضع غير مدخول ، بصير بتقليب الكلام ، وتصريف الرأي ، وأنحاء العرب ، ووضع الكتب ، عالم بحالات الحروب ، وتصاريف الخطوب ، يضع آدابا نافعة ، وآثارا باقية ، من محاسنك وتحسين أمرك ، وتحلية ذكرك ، فتستشيره في حربك ، وتدخله في أمرك ، فرجل أصبته كذلك ، فهو يأوى إلى محلّتى ، ويرعى في خضرة جناني ، ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان ، وخيار الأمصار ، أقواما يكونون جيرانك وسمّارك ، وأهل